ابن قيم الجوزية
40
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
ذوات الأنفس الخبيثة التي تتكيف بكيفية غضبية ، تثير فيها سمية نارية ، يحصل بها اللدغ . وهي متفاوتة بحسب تفاوت خبث تلك النفوس وقوتها وكيفيتها . فإذا تكيّفت أنفسها الخبيثة بتلك الكيفية الغضبية أحدث لها ذلك طبيعة سمية ، تجد راحة ولذة في إلقائها إلى المحل القابل ، كما يجد الشرير من الناس راحة ولذة في إيصال شره إلى من يوصله إليه . وكثير من الناس لا يهنأ له عيش في يوم لا يؤذي فيه أحدا من بني جنسه . ويجد في نفسه تأذيا بحمل تلك السمية والشر الذي فيه ، حتى يفرغه في غيره . فيبرد عند ذلك أنينه . وتسكن نفسه . ويصيبه في ذلك نظير ما يصيب من اشتدت شهوته إلى الجماع . فيسوء خلقه . وتثقل نفسه حتى يقضي وطره . هذا في قوة الشهوة . وذاك في قوة الغضب . وقد أقام اللّه تعالى بحكمته السلطان وازعا لهذه النفوس الغضبية . فلو لا هو لفسدت الأرض وخربت وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ [ البقرة : 251 ] وأباح اللّه - بلطفه ورحمته - لهذه النفوس من الأزواج وملك اليمين ما يكسر حدتها . والمقصود : أن هذه النفوس الغضبية إذا اتصلت بالمحل القابل أثرت فيه ، ومنها ما يؤثر في المحل بمجرد مقابلته له ، وإن لم يمسه ، فمنها ما يطمس البصر ، ويسقط الحبل . ومن هذا نظر العائن . فإنه إذا وقع بصره على المعين حدثت في نفسه كيفية سمية أثرت في المعين بحسب عدم استعداده . وكونه أعزل من السلاح ، وبحسب قوة تلك النفس . وكثير من هذه النفوس يؤثر في المعين إذا وصف له . فتتكيف نفسه وتقابله على البعد فيتأثر به . ومنكر هذا ليس معدودا من بني آدم إلا بالصورة والشكل « 1 » . فإذا قابلت النفس الزكية العلوية الشريفة التي فيها غضب وحمية للحق هذه النفوس الخبيثة السمية . وتكيفت بحقائق الفاتحة وأسرارها ومعانيها ، وما تضمنته من التوحيد والتوكل ، والثناء على اللّه ، وذكر أصول أسمائه الحسنى ، وذكر اسمه الذي ما ذكر على شرّ إلا أزاله ومحقه ، ولا على خير إلا نمّاه وزاده . دفعت هذه النفس بما تكيفت به من ذلك أثر تلك النفس الخبيثة الشيطانية ، فحصل البرء . فإن مبنى الشفاء والبرء على دفع الضد بضده . وحفظ الشيء بمثله . فالصحة تحفظ بالمثل . والمرض يدفع بالضد . أسباب ربطها بمسبباتها الحكيم العليم خلقا وأمرا . ولا يتم هذا إلا بقوة من النفس الفاعلة . وقبول من الطبيعة المنفعلة . فلو لم تنفعل نفس الملدوغ لقبول الرقية ، ولم تقو نفس الراقي على التأثير ، لم يحصل البرء . فهنا أمور ثلاثة : موافقة الدواء للداء ، وبذل الطبيب له ، وقبول طبيعة العليل . فمتى تخلف واحد منها لم يحصل الشفاء . وإذا اجتمعت حصل الشفاء ولا بد بإذن اللّه سبحانه وتعالى . ومن عرف هذا كما ينبغي تبين له أسرار الرقى . وميز بين النافع منها وغيره . ورقى الداء بما يناسبه من الرقى . وتبين له أن الرقية براقيها وقبول المحل ، كما أن السيف بضاربه مع قبول
--> ( 1 ) هذا باعتقاد الشيخ رحمه اللّه وغفر لنا وله . ولو أن الأمر كما ذكر لاستطاع كل يهودي ونصراني ومشرك ، بل وكل عدو : أن يؤذي عدوه بإرسال تلك السموم - التي صورها الشيخ - من أشعة عينيه ، فتقتله كما يقتله لسع الحية ، ولدغ الثعبان . واللّه خير حافظا . وهو أرحم الراحمين . وخير الهدى هدى محمد صلى اللّه عليه وسلم .